العيني

203

عمدة القاري

بيان المعاني والبيان فيه : حذف الفاعل لكونه متعينا للفعل أو لشهرته ، وهو في قوله : ( أريت ) إذ أصله : أراني الله النار ، وفيه : الجملة الاستئنافية التي تدل على السؤال والجواب ، وهو قوله : ( يكفرن ) . وقال بعض الشارحين : هذا جواب سؤال مذكور في الحديث المذكور في كتاب الكسوف ، التقدير : فبم يا رسول الله ؟ قال : يكفرن ، أي : هن يكفرن . وفيه : ترك المعين إلى غير المعين ليعم كل مخاطب ، وهو قوله : لو أحسنت كما في قوله : ( بشر المشائين في ظلم الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) وفيه : أن التنكير فيه للتحقير ، كما في قوله : ( شيئا ) ، كقوله تعالى : * ( ان نظن إلا ظنا ) * ( الجاثية : 32 ) [ / ح . بيان استنباط الفوائد : منها : تحريم كفران الحقوق والنعم إذ لا يدخل النار إلاَّ بارتكاب حرام . وقال النووي : توعُدُه على كفران العشير وكفران الإحسان بالنار يدل على أنهما من الكبائر . وقال ابن بطال : فيه دليل على أن العبد يعذب على جحد الاحسان والفضل وشكر النعم . قال : وقد قيل : إن شكر المنعم واجب . ومنها : الدلالة على عظم حق الزوج ، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ) . ولأجل هذا المعنى خص كفران العشير من بين أنواع الذنوب ، وقرن فيه حق الزوج على الزوجة بحق الله ، فإذا كفرت المرأة حق زوجها ، وقد بلغ حقه عليها هذه الغاية ، كان ذلك دليلاً على تهاونها بحق الله ، فلذلك أطلق عليها الكفر ، لكنه كفر لا يخرج عن الملة . ومنها : فيه وعظ الرئيس المرؤوس وتحريضه على الطاعة . ومنها : فيه مراجعة المتعلم العالم ، والتابع المتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه . ومنها : فيه أن النار ، أي : جهنم التي هي دار عذاب الآخرة مخلوقة اليوم ، وهو مذهب أهل السنة . ومنها : فيه الدلالة على جواز إطلاق الكفر على كفر النعمة وجحد الحق . ومنها : فيه التنبيه على أن المعاصي تنقص الإيمان ولا تخرج إلى الكفر الموجب للخلود في النار لأنهم ظنوا أنه الكفر بالله ، فأجابهم عليه السلام بأنه أراد كفرهم حق أزواجهن . ومن فوائد حديث مسلم : أن اللعن من المعاصي . قال النووي ، رحمه الله : فيه أنه كبيرة فإن قال : تكثرن اللعن ، والصغيرة إذا كثرت صارت كبيرة ، وقال عليه السلام : ( لعن المؤمن كقتله ) . قال : واتفق العلماء على تحريم اللعن ، ولا يجوز لعن أحد بعينه ، مسلما أو كافرا أو دابةً ، إلاَّ بعلم بنص شرعي أنه مات على الكفر ، أو يموت عليه ، كأبي جهل وإبليس عليهما اللعنة ، واللعن بالوصف ليس بحرام : كلعن الواصلة والمستوصلة ، وآكل الربا وشبههم . واللعن في اللغة : الطرد والإبعاد . وفي الشرع : الإبعاد من رحمة الله تعالى . قوله : ( ناقصات عقل ) ، اختلفوا في العقل ، فقيل : هو العلم ، لأن العقل والعلم في اللغة واحد ، ولا يفرقون بين قولهم : عقلت وعلمت ، وقيل : العقل بعض العلوم الضرورية ، وقيل : قوة يميز بها بين حقائق المعلومات . واختلفوا في محله ، فقال المتكلمون هو في القلب . وقال بعض العلماء : هو في الرأس ، والله تعالى أعلم . 22 ( ( باب المَعَاصِي مِنْ أمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلاَ يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكابِهَا إلاَّ بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم : إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِليَّةٌ وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى * ( إنّ الله لاَ يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) * . ) ) الكلام فيه على وجوه : الأول : وجه المناسبة بين البابين ظاهر ، لأن المذكور في الباب الأول كفران العشير ، وهو أيضا من جملة المعاصي . الثاني : يجوز في باب التنوين والإضافة إلى الجملة التي بعده ، لأن قوله : ( المعاصي ) مبتدأ ، وقوله : ( من أمر الجاهلية ) ، خبره وعلى كل تقدير تقديره : هذا باب في بيان أن المعاصي من أمور الجاهلية . الثالث : وجه الترجمة هو الرد على الرافضة والأباضية وبعض الخوارج في قولهم : إن المذنبين من المؤمنين مخلدون في النار بذنوبهم ، وقد نطق القرآن بتكذيبهم في مواضع ، منها قوله تعالى : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) * ( النساء : 48 و 116 ) الآية . الرابع : قوله : ( المعاصي ) ، جمع معصية ، وهي مصدر ميمي . وفي ( الصحاح ) وقد عصاه ، بالفتح ، يعصيه عصيا ومعصية . وفي الشرع : هو مخالفة الشارع بترك واجب أو فعل محرم ، وهو أعم من الكبائر والصغائر . و : ( الجاهلية ) : زمان الفترة قبل الإسلام ، سميت بذلك لكثرة جهالاتهم . قوله ( ولا يكفر ) ، بضم الياء وتشديد الفاء المفتوحة ، أي : لا ينسب إلى الكفر ، وفي رواية أبي الوقت ، بفتح الياء وسكون القاف . قوله : ( بارتكابها ) أي : بارتكاب المعاصي ، وأراد بالارتكاب الاكتساب